النواب

 

 

قصةقصيره… الدكتور /إبراهيم بن محمد الشتوي  

ملامح الوجه الصارمة، وغضون الجبين المجتمعة، والحاجبان المعقودان عن قصد، ونظرة حادة ثاقبة أحياناً، ولحية محناة، وعصا رقيقة طويلة من خيزران، لها حنة قوية إذا هزها في وجوه عباد الله الغافلين، يسمونها هنا (سي سية)، أهم ما يميز (أبو خالد).

إذا ذكر اسمه وجلت القلوب.. وإذا خطر في الطريق غشيت الناس غاشية، وعلت الوجوه بهجة شاحبة، ودعوة بحفظ الخير وأهل الخير، ولاذ الأطفال خلف اللوائذ وهم يومئون: هذا الذي يطاردهم إذا لعبوا في باحة المسجد، أو تدافعوا في الصلاة..

أبو خالد..نحيل..دقيق الساقين..قمحي البشرة.. يمشي بين الدكاكين، خافضاً بصره تواضعاً..يجر ثوبه القصير الذي يكاد ألا يصل إلى منتصف الساق، مسدلاً أطراف غترته الحمراء على جانبيه، وفي فمه عود من أراك يحركه بشدة نحو اليمين والشمال، وينتعل زبيريات مصنوعة من ظهر حيوان لا يعرف أصله اشتراها من سوق بريدة الكبير يوم الجمعة الفائت..

وقع أقدامه على الأرض قوي راسخ، وصوته المرتفع بذكر ربه، يغطي أرجاء السوق

عيناه تطالعان في وجوه الناس..والناس يبادئونه بالسلام وهو لا يرد إلا على عباد الله المصطفين، الذين يشهدون الصلوات في المسجد الجامع، وقد يجتمعون معه بعد العشاء الآخرة على كبش حنيذ للتخطيط على أهل الفساد في البلدة في منزل أحدهم..هنالك يغضي أبو خالد عن (أنتل) التلفزيون الذي قد يكون مركوزاً في سطح منزل أحدهم.

و( أبو إبراهيم) ينظر من خلف الرفوف في محله، ويحذي (أبا خالد) من دهن العود الهندي الفاخر الذي يجلبه من تاجر العود الشهير (ابن ماجد) صديق الكويت القديم، ويبتسم بلحيته السوداء المخضبة بالبياض..

- عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

- استرح أبو خالد..فنجال والم.

أسارير وجه (أبي خالد) ترتخي أمام هذه الدعوات ثم تنشد مرة أخرى وهو يحرك عصاه على المعروضات في الدكاكين، ويرفع صوته بالذكر والتهليل.

عباءته الخفيفة البنية المزراه بخيوط الذهب الصريح في حوافها، والتي أهداها له أحد المتربصين القادمين من الكويت لا يحملها معه إلا في الأوقات الخاصة: الخروج للصلاة، جلد أحد العصاة في ساحة المسجد الجامع في الديرة الداخلية، المرافعة ضد أحد المارقين أمام أمير البلدة، أو حين يقدم على البلدة قادم من جهة الشمال.

أحد المارة في الطريق يرى (أبا خالد) من بعيد، فيعكف سيجارته ويمسكها مع عقبها، ويتوارى خلف أحد أعمدة السوق، ثم يرميها تحت قدمه، ويختفي قبل أن يشتم (أبو خالد) رائحة المنكر في فمه.

يخرج (أبو خالد) مسرعاً صوب سيارته، وقد أحكم لثام وجهه..يركب سيارة بيضاء، ماركة داتسون، موديلها (78) ثم ينطلق كأنه رصاصة طائشة ناحية الجنوب..

يتهامس الناس في ذهول: أين ذهب؟ ما الأمر؟

يهمس شيخ كبير لا يبدي ملامحه كثيراً، بصوت خفيض مبحوح متقطع:

- عيال أبو صالح..جايين من الرياض، ومتجمعين عند ارتواز القفيفة ماصلوا العصر..

ثم وهو يمد رقبته إلى الأمام، ويلوي يده على شفتيه خشية أن تسمعه سواري السوق، ويضغط على أوتار حلقه:

- ويتتنون.

 

 

 

 

 

~ بواسطة shetwi على مايو 4, 2008.

رد واحد to “النواب”

  1. قرات القصة مرات ومرات ولكي لم استطع التعليق عليها بشيء

    قد تكون القصة غير مفهومة الا لأهل ذلك الاقليم فقط عفو (أقد أهل هذه البلدة أو القرية التي يتحدث عنها الكاتب)

    أخ شتوي : منذ فترة طويلة لم نرك ولم تطل علينا خلالمدونتك ولم نشاهد لك أي تعليق في المدونات الصديقة

    أرجو أن يكون المانع خيرا

اترك رد